كرونولوجيا الدراسات السيميائية عند الغرب
تُعدّ الشخصية من أبرز العناصر التي استأثرت باهتمام الدراسات السردية والسيميائية الحديثة، إذ لم تعد تُفهم بوصفها مجرد عنصر تابع للأحداث، بل أصبحت بنية دلالية ووظيفية تؤدي دورًا أساسيًا في تشكيل المعنى داخل الخطاب الروائي. وقد عرفت دراسة الشخصية تحولات متتابعة انتقلت بها من التصور التقليدي القائم على المحاكاة والتمثيل الواقعي إلى مقاربات بنيوية وسيميائية تنظر إليها باعتبارها علامة نصية تتحدد من خلال موقعها ووظيفتها داخل البنية السردية.
وتقوم السيميائيات السردية على التعامل مع الشخصية لا باعتبارها شخصًا حقيقيًا، بل بوصفها نسقًا من العلامات والدلالات التي تُبنى عبر اللغة والوصف والأفعال والعلاقات داخل النص. فالشخصية لا تُدرك من خلال وجودها الواقعي، وإنما من خلال ما ينتجه الخطاب عنها من مؤشرات وصفية وسلوكية ودلالية. ومن هنا أصبحت الشخصية تُعدّ وحدة سيميائية تحمل قيمًا رمزية وثقافية وإيديولوجية، وتسهم في توجيه القراءة وبناء المعنى العام للنص.
وقد ركزت الدراسات السيميائية الغربية على أن الشخصية تتشكل عبر منظومة من العلامات والوظائف والعلاقات، وأن فهمها لا يتم بمعزل عن البنية السردية التي تنتمي إليها. كما اهتمت هذه الدراسات بالأسماء والصفات والأدوار الحكائية بوصفها إشارات دلالية تكشف أبعاد الشخصية النفسية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى النظر إليها باعتبارها نموذجًا رمزيًا يمكن أن يمثل أنماطًا إنسانية أو ثقافية عامة داخل العالم الروائي.
وتُعدّ أعمال فلاديمير بروب البداية الفعلية للدراسات السيميائية للشخصية، خاصة من خلال تحليله للحكايات الشعبية الروسية. فقد انطلق من منظور شكلاني يعتمد الوظائف السردية، ولم ينظر إلى الشخصية باعتبارها كيانًا نفسيًا مستقلًا، بل بوصفها عنصرًا يؤدي دورًا محددًا داخل البنية الحكائية. وقد توصل إلى مجموعة من الوظائف الثابتة التي تتكرر في الحكايات، كما صنّف الشخصيات ضمن أدوار متشابهة مثل البطل والمساعد والمعارض والمرسل. وبهذا التحليل نقل بروب الاهتمام من طبيعة الشخصية إلى أفعالها ووظائفها داخل السرد.
ثم جاء ألجيرداس جوليان غريماس ليطور التصور البروبي ويمنحه بعدًا سيميائيًا أكثر تجريدًا، إذ استبدل مفهوم الشخصية بمفهوم “العامل” أو “الذات العاملية”، فأصبحت الشخصية تُفهم من خلال موقعها الوظيفي داخل العلاقات السردية. وقد بنى غريماس نموذجه على ستة عوامل رئيسية تتمثل في الذات، والموضوع، والمرسل، والمرسل إليه، والمساعد، والمعارض. وبهذا تجاوز التصور التقليدي للشخصية بوصفها فردًا محددًا، لتصبح عنصرًا تجريديًا يمكن أن يتمثل في شخص أو فكرة أو قيمة معنوية. كما اهتم غريماس بالعلاقات الدلالية العميقة التي تحكم السرد، وبكيفية إنتاج المعنى عبر التفاعلات القائمة بين هذه العوامل.
أما فيليب هامون فقد منح دراسة الشخصية بعدًا سيميولوجيًا أكثر دقة، حين تعامل معها باعتبارها علامة نصية تتكون من دال ومدلول، وتتحدد عبر الوصف والأفعال والتكرار والعلاقات اللغوية داخل الخطاب. وقد رفض النظر إلى الشخصية على أنها صورة مطابقة للواقع، ورأى أنها بناء لغوي وسردي يتشكل تدريجيًا داخل النص. كما ميّز بين أنواع متعددة من الشخصيات، منها الشخصيات المرجعية ذات الإحالة الواقعية أو التاريخية، والشخصيات الإشارية ذات الوظيفة التنظيمية، والشخصيات الاستذكارية التي تربط أجزاء النص بعضها ببعض. واهتم أيضًا بآليات تقديم الشخصية مثل الاسم والوصف والحضور السردي، مما جعل دراسته تمثل مرحلة متقدمة في تحليل الشخصية سيميائيًا.
وبعد هذه المرحلة توسعت الدراسات السيميائية والسردية لتشمل مقاربات أكثر تنوعًا، حيث نظر رولان بارت إلى الشخصية بوصفها شبكة من العلامات والرموز تنتج معناها من خلال العلاقات النصية والتكرار والوصف، ولم يعد ينظر إليها كجوهر ثابت أو كيان مكتمل. كما أسهم تزفيتان تودوروف في تحليل البنية الحكائية والعلاقات التي تتحكم في تشكل الشخصيات داخل السرد، في حين اهتم جيرار جنيت بعلاقة الشخصية بالتبئير والزمن والرؤية السردية. ومع تطور الدراسات الثقافية والتداولية أصبحت الشخصية تُدرس كذلك بوصفها علامة ثقافية وإيديولوجية تكشف أنساق المجتمع وتمثلاته الفكرية والقيمية.
ومن خلال هذا المسار يتضح أن الدراسات السيميائية للشخصية قد انتقلت من التحليل الوظيفي عند بروب، إلى النموذج العاملي عند غريماس، ثم إلى التحليل العلاماتي عند هامون، قبل أن تنفتح على مقاربات سردية وثقافية حديثة. وقد أسهمت هذه الاتجاهات مجتمعة في إعادة النظر في مفهوم الشخصية الروائية، وتحويلها من عنصر تقليدي تابع للأحداث إلى بنية دلالية معقدة تؤدي دورًا محوريًا في إنتاج المعنى داخل النص السردي.